ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
574
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
تعيرنا أنا قليل عدادنا * فقلت لها إن الكرام قليل وما ضرنا أنا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما ذكرت هذه الأبيات الأربعة هاهنا لأن فيها معاني حسنة لمن يتأملها . قال بعضهم ينبغي لمن جعله الله سائسا للناس عامتهم وخاصتهم وضعيفهم وقويهم أن لا يضجر مما يبلغه عنهم أو عن واحد منهم لأسباب كثيرة منها أن عقله فوق عقولهم وحلمه أفضل من حلمهم وصبره أتم من صبرهم ومنها أنهم جعلوا تحت قدرته وسطوا ( 1 ) بتدبيره واختبروا بتصريفه على أمره ونهيه ليقوم بحق الله تعالى فيهم ويحمل بفضل قوته كلهم ويصبر على جهل جاهلهم ويكون عمود حاله معهم الرفق بهم والقيام بمصالحهم ومنها أن العلاقة التي بين السلطان والرعية قوية لأنها إلهية وهو أوشج ( 2 ) من الرحم التي بين الوالد والولد والملك والد كبير كما أن الوالد ملك صغير وما يجب على الوالد في سياسة ولده من الرفق به والحنة عليه ( 3 ) والرقة له واجتلاب المنفعة إليه أكثر مما يجب على الولد في طاعة والده وذلك أن الولد غر ( 4 ) قريب العهد بالكون وجاهل بالحال وعار من التجربة كذلك الرعية شبيهة بالولد وكذلك الملك شبيه بالوالد ومما يزيد هذا كشفا أن الملك لا يكون ملكا إلا بالرعية كما أن الرعية لا تكون رعية إلا بالملك وهذا من الأحوال المتضايفة وسبب هذه العلاقة المحضة ( 5 ) والوصلة الوشيجة ما لهجت ( 6 ) به العامة والخاصة لتعرف حال سائسها الناظر في أمرها والمالك لزمامها حتى يكون في رفاهية من عيشها وطيب حياتها ودرور ( 7 ) مرادها بالأمن الفاشي بينها والعدل الفائض عليها والخير المجلوب إليها وهذا أمر جار على نظام الطبيعة و
--> ( 1 ) سطابه وعليه سطوا وسطوتا من باب نصر : قهره . ( 2 ) وشج وشجا من باب وعد : اشتبك ومنه ما يأتي من الوشيجة . ( 3 ) الحنة بالكسر : العطوفة . ( 4 ) قد مضى آنفا إن الغر الشاب لا خبرة له بالأمور . ( 5 ) يحتمل كون المحصة بالمهملة كما في بعض النسخ أي الشديدة يقال في الخليل : محص أي شديد ، وبالمعجمة أي الخالصة الصريحة . ( 6 ) لهج بالشيء لهجا بفتحتين من باب منع : ولع به وواظب عليه . وفي بعض النسخ [ يهجب ] . ( 7 ) بعض النسخ [ دور ] .